الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
9
مختصر الامثل
أنّ ما رآه قلب النبي كان حقّاً وصادقاً ولا ينبغي تكذيبه أو مجادلته . وكما بيّنا فإنّ تفسير هذه الآيات بشهود النبي الباطني للَّهتعالى هو أكثر صحّة وأكثر إنسجاماً وموافقة للرّوايات الإسلامية ، وأكرم فضيلة للنبي ، ومفهومها أجمل وألطف ، واللَّه أعلم بحقائق الأمور . ونختم هذا البحث بحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وآخر عن علي عليه السلام . 1 - في تفسير القرطبي : سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله هل رأيت ربّك ؟ فقال : « رأيته بفؤادي » . 2 - وفي خطبة الإمام علي ( 179 ) في نهج البلاغة إذ سأله ذعلب اليماني : هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام : « أفأعبد ما لا أرى ؟ . . . » . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ( 14 ) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ( 15 ) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ( 16 ) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ( 17 ) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ( 18 ) هذه الآيات هي أيضاً تتمة للأبحاث السابقة في شأن مسألة الوحي وإرتباط النبي صلى الله عليه وآله باللَّه والشهود الباطني ، إذ تقول : « وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى » . أي مرّة ثانية ، وكان ذلك « عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى » . أي عند شجرة سدر في الجنة تدعى بسدرة المنتهى ومحلها في جنة المأوى : « عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى » . هذه حقائق واقعية شاهدها النبي صلى الله عليه وآله بأم عينيه و « مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَاتِ رَبّهِ الْكُبْرَى » . ورغم أنّه لم يرد توضيح عن سدرة المنتهى في القرآن الكريم ، إلّاأنّ الأخبار والروايات الإسلامية ذكرت لها أوصافاً كثيرة . وهذه التعابير تشير إلى أنّ المراد من هذه الشجرة ليس كما نألفه من الأشجار المورقة والباسقة على الأرض أبداً ، بل إشارة إلى ظلّ عظيم في جوار رحمة اللَّه وهناك محل تسبيح الملائكة ومأوى الأمم الصالحة . أمّا « جَنَّةُ الْمَأْوَى » فمعناها الجنة التي يُسكن فيها ؛ والمراد من هذه الجنة هو « جنة البرزخ » التي تحلّ فيها أرواح الشهداء والمؤمنين بصورة مؤقتة . والآية : « مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى » إشارة إلى أنّ بصر النبي ، وأنّ عينيه الكريمتين لم تميلا يمنة ولا يسرة ، وما رآه النبي بعينيه هو عين الواقع ؛ لأنّ « زاغ » : من مادة « زيغ » معناه الانحراف يميناً أو شمالًا ؛ و « طغى » : من الطغيان ، معناه التجاوز عن الحد .